محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

416

بدائع السلك في طبائع الملك

العرب من بني شيبة سكان تلك النواحي المجلوب إليها بوظيفة من المال كثيرة ، على أن لا يقطعوا الماء عن الحاج ، فلما توفى عادوا إلى عادتهم من قطعه . ومن مآثره أنه جعل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم تحت سرير من عيقر وأنفق فيهما أموالا لا تحصى كثرة ، ومن أعجب ما وفقه الله اليه ، أنه جدد أبواب الحرم كلها ، وجدد باب الكعبة ، وغشاه فضة مذهبة ، وجدد العتبة المباركة بلوح ذهب ابريز ، وأخذ الباب القديم ، وأمر أن يصنع له منه تابوت يدفن فيه . فلما حانت وفاته أمر أن يوضع في ذلك التابوت المبارك ، ويحج به ميتا ، ويدفن بالموصل دون السنة وبعد ذلك أن يسار إلى عرفات ويوقف به على الجبل ، ويكشف عن التابوت . فلما أفاض الناس أفيض به وكتبت له المناسك كلها ، وطيف به طواف الإفاضة . وكان رحمه الله لم يحج في حياته ، ثم حمل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وله فيها الآثار الكريمة . وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وفتح بها موضع يلاحظ الروضة المقدسة وأقيم له ذلك لسابق أفعاله الكريمة . واليه ينسب أحد الحمامين الذين بمكة المشهور بحمام جمال الدين . قال ولهذا الرجل من الآثار الجميلة والمفاخر الجليلة ، التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد والسادات الأمجاد ، فيما سلف من الأزمان ، ما لا يحصى ويستقر به الثناء ، ويستصحب طول الأزمان من الألسنة بالدعاء . وحسبك أنه أتسع اعتناؤه باصلاح جادة الطريق للمسلمين في المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز ، فاستنبط المياه ، وابتنى الجباب ، واختط المنازل في المغازات ، وأمر بعمارتها مأوى لابناء السبيل وكافة المسافرين . وأبتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق وعينها لنزول الفقراء وأبناء السبيل الذين تضعفت أحوالهم عن تأدية الاكرية ، وأجرى على قومة تلك الفنادق ، والمنازل ما يقوم بعيشهم ، وعين لهم ذلك في وجوه متأبدة لهم ، فبقيت لهم تلك الرسوم على حالها إلى الآن . فسارت تلهج بذكر هذا الرفاق ، وملئت ثناء عليه الآفاق . وكان مدة حياته بالموصل قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء ، فسيحة الارجاء ، يدعو إليها كل يوم الجفلى من الغرباء فيعمهم شبعا وريا وربما وجد الوارد والصادر في ظله